القرطبي

229

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( فأتبعهم فرعون بجنوده ) أي أتبعهم ومعه جنوده ، وقرئ " فاتبعهم " بالتشديد فتكون الباء في " بجنوده " عدت الفعل إلى المفعول الثاني ، لان اتبع يتعدى إلى مفعول واحد . أي تبعهم ليلحقهم بجنوده أي مع جنوده كما يقال : ركب الأمير بسيفه أي مع سيفه . ومن قطع " فأتبع " يتعدى إلى مفعولين : فيجوز أن تكون الباء زائدة ، ويجوز أن يكون اقتصر على مفعول واحد . يقال : تبعه وأتبعه ولحقه وألحقه بمعنى واحد . وقوله : " بجنوده " في موضع الحال ، كأنه قال : فأتبعهم سائقا جنوده . ( فغشيهم من اليم ما غشيهم ) أي أصابهم من البحر ما غرقهم ، وكرر على معنى التعظيم والمعرفة بالامر . ( وأضل فرعون قومه وما هدى ) أي أضلهم عن الرشد وما هداهم إلى خير ولا نجاة ، لأنه قدر أن موسى عليه السلام ومن معه لا يفوتونه ، لان بين أيديهم البحر . فلما ضرب موسى البحر بعصاه انفلق منه اثنا عشر طريقا وبين الطرق الماء قائما كالجبال . وفي سورة الشعراء : " فكان كل فرق كالطود العظيم " ( 1 ) أي الجبل الكبير ، فأخذ كل سبط طريقا . وأوحى الله إلى أطواد الماء أن تشبكي فصارت شبكات يرى بعضهم بعضا ويسمع بعضهم كلام بعض ، فكان هذا من أعظم المعجزات ، وأكبر الآيات ، فلما أقبل فرعون ورأى الطرق في البحر والماء قائما أوهمهم أن البحر فعل هذا لهيبته ، فدخل هو وأصحابه فانطبق البحر عليهم . وقيل إن قوله : " وما هدى " تأكيد لاضلاله إياهم . وقيل : هو جواب قول فرعون : " ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد " ( 2 ) [ غافر : 29 ] فكذبه الله تعالى . وقال ابن عباس " وما هدى " أي ما هدى نفسه بل أهلك نفسه وقومه . قوله تعالى : يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى ( 80 ) كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى ( 81 ) وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ( 82 )

--> ( 1 ) راجع ج 13 ص 100 فما بعد . ( 2 ) راجع ج 15 ص 305 فما بعد .